ابن تيمية
59
مجموعة الرسائل والمسائل
الأول غير مخلوق ، والمشار إليه الثاني مخلوق ، والمشار إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق ، وما يوجد في كلام الآدميين من نظير هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب أبداً ، وإذا قال القائل القاف في قوله : " أقم الصلاة لذكري " كالقاف في قوله : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل قيل وما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين ، ولكن إذا بلغنا كلام الله فإنما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة والمخلوق يماثل المخلوق . وفي هذا جواب للطائفتين لمن قاس ثفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها غير مخلوقة ، فإن الجهمية المعطلة أشباه اليهود ، والحلولية الممثلة أشباه النصارى دخلوا في هذا وهذا ، أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه بالنقائض التي تختص بالمخلوق كالفقر والبخل ، وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق فوصفوه بخصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله ، والمسلمون يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال ، وينزهونه عن الأكفاء والأمثال ، فلا يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات ، فإن المعطل يعبد عدماً ، والممثل يعبد صنماً ، والله تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " . ومما ينبغي أن يعرف أن كلام المتكلم في نفسه واحد ، وإذا بلغه المبلغون تختلف أصواتهم به فإذا أنشد المنشد قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه مع أن أصوات المنشدين له تختلف وتلك الأصوات ليست صوت لبيد ، وكذلك من روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه كقوله : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى " كان هذا الكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه ، ويقال لمن رواه أدى الحديث بلفظه وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول ، فالقرآن أولى أن يكون كلام